الجمعة، 27 سبتمبر 2024

لماذا 1+1=2 ؟؟

  ... << 1+1=2 >>  ...    

 هذه المعادلة البسيطة هى أصل الرياضيات كلها ، فكيف توصل الإنسان إلى معرفتها ؟؟ فى الحقيقة أن هذا سؤال مراوغ ، لا يبدو بالبساطة التى يظهر بها ، فالإجابة عليه تتطلب أن نعرف كيف نشأ مفهوم العدد أصلا فى ذهن الإنسان ؟؟ وهو مفهوم قديم قِدَم الإنسان ذاته ، توصل إليه الإنسان وبنى عليه الرياضيات بأسرها ، ثم وجد الرياضيات فى قلب الكون حيث أنه انتظم على أساسها ، ووجدها هى خير وسيلة للتعبير عن مفاهيم فيزيائية شديدة التعقيد كالمجال الكهربى مثلا .

 ولو ألقينا نظرة على الكون الواسع وحركة الكواكب داخله ، سنفهم كيف تظهر الرياضيات فيه ، ثم نظرة أخرى على التاريخ البعيد للإنسان ،لنفحص أصل هذه الرياضيات ، الجذور البعيدة لمفهوم العدد ، كيف تجلى للإنسان القديم بطريقة عجيبة ..!! ومن قلب الطبيعة ومن صميم حياته قد استخلصه ثم جرده .

 لننظر إلى الفضاء الرهيب .. إنه واسع الأبعاد ومترامى الأطراف ، ليس له بداية فى المكان ولا نهايه !! تغشاه ظلمة واسعة سحيقة ما لها من قرار .. فهذا هو الفراغ الحق ، الفراغ الذى ليس فيه اتجاهات أو ملامح لحدود تنتهى عندها الأشياء.


وها هى الكواكب المهيبة ، تدور فى بطء وصمت حول نفسها ، ومعها كوكبنا الأزرق وهو يمسك بتلابيب القمر ويجعله يتهادى حوله بإنتظام وهدوء ، والقمر يدور حول نفسه أيضا هو الآخر مع دورانه حول أرضنا !! ويمضى الموكب كله فى مسار محدد بدقة غريبة ويلتف حول الشمس الملتهبة .. فالأمر مذهل وكأن الشمس الهائلة قد سيطرت بقوى خفية على الأرض التى سيطرت بنفس القوى هى الآخرى على القمر ، فالكل يسبح فى انتظام دقيق وهدوء غريب ، ثم ألقيت نظرة على المسار الذى يتخذه موكب الأرض حول الشمس ، وإذ به يأخذ الشكل الدائرى الممطوط نوعا (ellipse) ، والشمس تقبع مستقرة فى إحدى بؤرتيه ، وتذكرت أن هذا الشكل قد وضعته الرياضيات وكشفت أسسه وقوانينه التى يقوم عليها ، وها هو هنا يتجلى فى الكون ويظهر ، ويرسم مدار الأرض بمنتهى الدقة ، وغاصت الفكرة فى عقلى لتطفو ومعها ذكرى ما قرأته عن عالم الفلك والرياضيات الشهير (كبلر) ، وتذكرت أنه هو الذى تنبأ بهذا المدار من قبل ، فقد وضع ثلاتة قوانين ، تتنبأ بدقة بمسار الكواكب حول الشمس ، وكانت الفكرة السابقة هى القانون الثانى منها ، وتذكرت القانون الأول وهو يخبرنا بأننا لو قمنا برسم خط طويل يصل بين الكوكب والشمس .. والكوكب يطوف ويدور حول الشمس ، فإن هذا الخط سيقطع مساحات متساوية فى أزمنة متساوية .. إن الكواكب إذن تَتْبع أسس رياضية صارمة فى حركتها ، وهذا تأكد عندما تذكرت القانون الثالث الذى يخبرنا بأن السنة الشمسية التى يتمها الكوكب بدورته الكاملة حول الشمس ترتبط وتتناسب مع بعده عن الشمس ..!! حركة تسرى بدقة عجيبة وتمضى على أسس عددية واضحة وقواعد رياضية محددة .

إنها حركة دبت فى الأجرام الهائلة أمامى كأنه محرك عملاق يهدر فى صمت .. ويدور لكى ينتج الليل والنهار فى كل دورة للأرض حول نفسها ، ثم يتكون شهر لأن القمر قد أتمّ دورة كاملة حول الأرض ، وعندما تنتهى الأرض من التفافها الكامل حول الشمس يتم إنتاج سنة كاملة .. ويعمل المحرك العملاق ولا يتوقف ، ليتشكل الزمن ويحيا به المخلوق الذى يعيش هناك كأنه ذرة غبار وسط هذا الخلاء .. على الإنسان ، فيعيش الحاضر بين التاريخ الذى مضى ، وبين المستقبل الذى سيأتى ..

وقديما لم يدرك الإنسان شيئا عن حركة الكواكب السابقة  ، لأنه كان يواجه الطبيعة فى جهل تام بكل ظواهرها ، ولو ألقينا عليه نظرة هو الآخر سنراه وهو يعيش على شواطىء الأنهار وفى الوديان ، ولا مسكن يحميه من العراء ومن قدوم الظلام ، وعند سقوط الشمس فى الأفق الغربى ،لاشك أن سيطر عليه الفزع من هذا الليل الذى ينطبق على الدنيا ببطء وإصرار وشمول ، وظل يراقب فى ذعر ، انطفاء الشمس وخفوت الضوء فى السماء ، أراه يتلفّت حوله خائفا حذرا يبحث عن مصدر للضوء الذى كان موجود وبدأ يغيب .. حتى بدأت طلائع نور بارد ضعيف ولكنه عميق ، وينتشر فى أنحاء الوجود ..!! إنه القمر الذى نزل فى السماء وحوله نجوم كأنها اللؤلؤ .. وربما جلس الإنسان على حافة النهر يتأمل نور القمر طويلا .. ويستأنس به ويطمئن إليه ، حتى يحاصر عقله إرهاق ويلتف حوله فيستسلم له ويذهب فى غياهب النوم . ثم يستيقظ مع تفجر ضوء حارق يلسعه من الأفق ، مع طلوع الشمس من ناحية الشرق .. فينتبه وينظر بسعادة غامرة إلى ضوء النهار الذى غرق فيه الوجود ، ويدقق النظر فى الأشياء حوله بفرح جمّ تحت أشعة الشمس الذهبية .. ثم يبدأ البحث عن شىء يصطاده ليسد به رغبة طاحنة فى الطعام ، فهنا قد أتمت الأرض دورة كاملة حول نفسها ، فنتج ليل مظلم ونهار مضىء .

 ولأن الأرض والقمر يسبحان باستمرار مذهل فى المسارات السرمدية الخاصة بهما ، فلا تلبث حتى تتكرر الدورة السابقة ، وتولد أيام جديدة بترتيب دقيق عجيب ، فلا الليل يسبق النهار ولا الشمس تدرك القمر أو تسبقه ، إنها الرياضيات الصارمة .. ولكن هناك شىء ما يتغير وسط هذا التكرار ، شىء أخذه الإنسان علامة على مرور الزمن ، إنه القمر فى السماء ، فى كل يوم يمر ينزل فى السماء منزلا جديدا فيتغير شكله المنير ويتبدل ، فيكون بدء القمر بهلالٍ فى السماء ، ثم ينمو النور فى القمر تدريجيا ومع كل يوم يملأ قرصه حتى يكتمل النور فيصير القمر بدرا ، ثم يبدأ تناقص النور .. ومع انتهاء دورة القمر حول الأرض ، يختفى وتصبح السماء مظلمة بلا قمر ، حتى يولد الهلال الجديد ، كالهلال القديم الذى به بدأ .. لقد تابع الإنسان ذلك التكرار الرتيب .. وانتظم نومه ومعيشته بل وحياته كلها عليه .

ومن تلك الشهور تتكون الفصول وتنقضى صيف ثم خريف ثم شتاء ثم ربيع ، وبذلك تمر سنة كاملة وبعدها سنة أخرى .. فبدأ يعدَ الإنسان السنين ، سنة واحدة .. ثم ثانية .. ثم ثالثة .. وبالتفكير والتجريد وصل إلى الأعداد الحسابية المجردة ، لقد ابتكر الأعداد .. ومع الوقت بدأ يجرى عليها بعض العمليات البسيطة كالجمع والطرح والضرب والقسمة ، لقد تعلم مبادىء الحساب من الطبيعة .

إن أصل الرياضيات كلها كان الحساب ، ومن الحساب وُلد الجبر .. ثم أخذت تتطور الرياضيات بسرعة  ، ومعها تطور إدراك الإنسان ، ونشأت فيها فروع عديدة ومتشعبة ، وكما رأينا فى قوانين كبلر الرائعة .. 

كانت الكواكب تمضى على أسس رياضية متينة لا يأتيها الباطل أبدا . وأدرك الإنسان مفهوم العدد من الطبيعة عندما بدأ يعدّ السنين ، ورآى منازل القمر فى السماء وهى تعيد نفسها ..

     إن الأمر كله يتلخص فى الحركة الموزونة المحسوبة للأرض والقمر حول الشمس ، التى منها نشأ الليل والنهار والشهر والسنة ، فأدرك الإنسان الأعداد والأرقام ، ومن ثم وضع مبادىء الرياضيات  وطورها ثم استطاع أن يكشف اللثام عن هذه الحركة الموزونة ووجدها تتبع أسس الرياضيات نفسها !! ولذلك أصلا استطاع أن يعبر عن تلك الحركة ويفهمها .

     وكأنَ الكون يُفَصّل نفسه أمام الإنسان ، ليدرك الإنسان مدى الحكمة التى ينطوى عليها فى داخله ، ويستكشف قوانينه الرياضية والفيزيائية الدقيقة .. ثم يكون قادر على بناء حضارة مزدهرة التى تستمد قوتها من العلوم الكونية المنضبطة . ولكن هنا سؤال يطرح نفسه بقوة .. ما الذى يجعل الكون أساسا يُفصل نفسه هكذا ؟؟!! إن الكون فى النهاية مادة ، لا تملك إرادة أو وعى بذاتها او بمن حولها !! حتى يسلك سلوكا مقصودا لذاته !!

    الإجابة موجودة هناك ، فى كتاب كريم ، نزل من صانع الكون على نبىٍ أمىٍ عربى ، إجابة واضحة وضوح الشمس فى الصباح ، قال تعالى : (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) )) يونس.

تلك هى الحكمة التى تسرى فى الكون ، فى ضوء الشمس ونور القمر ومنازله ، حكمة مطلقة ، وتحيط بالإنسان إحاطة تامة ، وتأخذ بيده ليتعلم أعداد السنين والحساب ، ثم يتطور ويطور فهمه ، حيث يتم تفصيل القوانين الكونية أمامه وبعقله ، لأن الله يُفصل الآيات لقوم يعلمون .


الاثنين، 23 سبتمبر 2024

المؤرخ العجوز …

كان عجوزا، عليم بخبايا الأمور، 

يدرك الحكمة من وراء الأشياء..

له عينان حدقت فى التاريخ طويلا.. وتأملته كثيرًا..

قال لى : "انصت للتاريخ.. وتعلم منه"

وابتسم فى حزن ثم قال:

"قديمًا، فى عام 1881م قاد عرابى باشا ثورة ضد الخديوى، وحققت الثورة مطالبها بنجاح تام، مثل اسقاط الوزارة الفاسدة وتشكيل وزارة جديدة مخلصة بقيادة شريف باشا، وتشكيل المجلس النيابى الذى ينوب عن الشعب، حتى وقعت المؤامرة..

كانت مؤامرة مدبرة من الضباط الشراكسة، تهدف إلى اغتيال عرابى، وعندما كشفهم عرابى قدمهم إلى المحاكمة، وحُكم عليهم بأحكام شديدة أيدتها الحكومة، وعندما عُرض الأمر على الخديوى، لم يوافق على المحاكمة، ورأى أن هذه الأحكام ستصبح قاسية على هؤلاء الضباط، وقرر أن يخففها عنهم، وهنا غضب عرابى وأصحابه ومن خلفهم الوزارة ، ولم يوافقوا الخديوى على قراره هذا !! وتصاعد الموقف بين الخديوى وبين الوزارة.. حتى كانت تتعالى الأصوات فى المجالس السرية بقيام ثورة على الخديوى ونزع الحكم منه !! ولا يخفى على العاقل أن الأمر كله كان لا يستحق كل هذا الخلاف ، وكل هذا الصراع وفى هذا الوقت الحرج بالتحديد ...

واستغلت انجلترا وفرنسا ما يحدث، واتخذته حجة لوصول الأسطول الإنجليزى والأسطول الفرنسى لشواطىء الأسكندرية، بحجة فض النزاع والخلاف بين الحكومة وبين الخديوى.. وإعادة الإستقرار للبلاد.

وكان ذلك هو مقدمة ضرب الإسكندرية.. ثم الهجوم على مصر كلها، والإحتلال الإنجليزى البغيض لمصر، الذى ساد سنينا طويلة".

ثمّ صمت وتطلع إلىّ في أسى وقال:

"هذه هي ضريبة الضعف في قانون الوجود، لا مفر من خضوع الضعيف للقوي! تحت أي مسوّغ أو حتى بدون مسوّغ... وفي ذلك الوقت خضعت مصر أمام قوى الاستعمار لأنها كانت الأضعف وهم الأقوى".


الزمان.. والمكان..

لكل خطٍ مستقيم نقطة منها ابتدأ.. ثمّ يمتدّ الخط ويطول، حتى ينتهي في مكان آخر وعند زمان مختلف. غير النقطة القديمة التي منها بدأ! ولكل حدَثٍ س...