... << 1+1=2 >> ...
هذه
المعادلة البسيطة هى أصل الرياضيات كلها ، فكيف توصل الإنسان إلى معرفتها ؟؟ فى
الحقيقة أن هذا سؤال مراوغ ، لا يبدو بالبساطة التى يظهر بها ، فالإجابة عليه
تتطلب أن نعرف كيف نشأ مفهوم العدد أصلا فى ذهن الإنسان ؟؟ وهو مفهوم قديم قِدَم
الإنسان ذاته ، توصل إليه الإنسان وبنى عليه الرياضيات بأسرها ، ثم وجد الرياضيات
فى قلب الكون حيث أنه انتظم على أساسها ، ووجدها هى خير وسيلة للتعبير عن مفاهيم
فيزيائية شديدة التعقيد كالمجال الكهربى مثلا .
ولو ألقينا
نظرة على الكون الواسع وحركة الكواكب داخله ، سنفهم كيف تظهر الرياضيات فيه ، ثم
نظرة أخرى على التاريخ البعيد للإنسان ،لنفحص أصل هذه الرياضيات ، الجذور البعيدة
لمفهوم العدد ، كيف تجلى للإنسان القديم بطريقة عجيبة ..!! ومن قلب الطبيعة ومن صميم
حياته قد استخلصه ثم جرده .
إنها حركة
دبت فى الأجرام الهائلة أمامى كأنه محرك عملاق يهدر فى صمت .. ويدور لكى ينتج
الليل والنهار فى كل دورة للأرض حول نفسها ، ثم يتكون شهر لأن القمر قد أتمّ دورة
كاملة حول الأرض ، وعندما تنتهى الأرض من التفافها الكامل حول الشمس يتم إنتاج سنة
كاملة .. ويعمل المحرك العملاق ولا يتوقف ، ليتشكل الزمن ويحيا به المخلوق الذى
يعيش هناك كأنه ذرة غبار وسط هذا الخلاء .. على الإنسان ، فيعيش الحاضر بين
التاريخ الذى مضى ، وبين المستقبل الذى سيأتى ..
وقديما لم
يدرك الإنسان شيئا عن حركة الكواكب السابقة ، لأنه كان يواجه الطبيعة فى جهل تام بكل
ظواهرها ، ولو ألقينا عليه نظرة هو الآخر سنراه وهو يعيش على شواطىء الأنهار وفى
الوديان ، ولا مسكن يحميه من العراء ومن قدوم الظلام ، وعند سقوط الشمس فى الأفق
الغربى ،لاشك أن سيطر عليه الفزع من هذا الليل الذى ينطبق على الدنيا ببطء وإصرار
وشمول ، وظل يراقب فى ذعر ، انطفاء الشمس وخفوت الضوء فى السماء ، أراه يتلفّت
حوله خائفا حذرا يبحث عن مصدر للضوء الذى كان موجود وبدأ يغيب .. حتى بدأت طلائع
نور بارد ضعيف ولكنه عميق ، وينتشر فى أنحاء الوجود ..!! إنه القمر الذى نزل فى
السماء وحوله نجوم كأنها اللؤلؤ .. وربما جلس الإنسان على حافة النهر يتأمل نور
القمر طويلا .. ويستأنس به ويطمئن إليه ، حتى يحاصر عقله إرهاق ويلتف حوله فيستسلم
له ويذهب فى غياهب النوم . ثم يستيقظ مع تفجر ضوء حارق يلسعه من الأفق ، مع طلوع
الشمس من ناحية الشرق .. فينتبه وينظر بسعادة غامرة إلى ضوء النهار الذى غرق فيه
الوجود ، ويدقق النظر فى الأشياء حوله بفرح جمّ تحت أشعة الشمس الذهبية .. ثم يبدأ
البحث عن شىء يصطاده ليسد به رغبة طاحنة فى الطعام ، فهنا قد أتمت الأرض دورة كاملة
حول نفسها ، فنتج ليل مظلم ونهار مضىء .
ولأن الأرض
والقمر يسبحان باستمرار مذهل فى المسارات السرمدية الخاصة بهما ، فلا تلبث حتى
تتكرر الدورة السابقة ، وتولد أيام جديدة بترتيب دقيق عجيب ، فلا الليل يسبق
النهار ولا الشمس تدرك القمر أو تسبقه ، إنها الرياضيات الصارمة .. ولكن هناك شىء
ما يتغير وسط هذا التكرار ، شىء أخذه الإنسان علامة على مرور الزمن ، إنه القمر فى
السماء ، فى كل يوم يمر ينزل فى السماء منزلا جديدا فيتغير شكله المنير ويتبدل ،
فيكون بدء القمر بهلالٍ فى السماء ، ثم ينمو النور فى القمر تدريجيا ومع كل يوم
يملأ قرصه حتى يكتمل النور فيصير القمر بدرا ، ثم يبدأ تناقص النور .. ومع انتهاء
دورة القمر حول الأرض ، يختفى وتصبح السماء مظلمة بلا قمر ، حتى يولد الهلال
الجديد ، كالهلال القديم الذى به بدأ .. لقد تابع الإنسان ذلك التكرار الرتيب ..
وانتظم نومه ومعيشته بل وحياته كلها عليه .
ومن تلك الشهور تتكون الفصول وتنقضى صيف ثم خريف
ثم شتاء ثم ربيع ، وبذلك تمر سنة كاملة وبعدها سنة أخرى .. فبدأ يعدَ الإنسان السنين
، سنة واحدة .. ثم ثانية .. ثم ثالثة .. وبالتفكير والتجريد وصل إلى الأعداد
الحسابية المجردة ، لقد ابتكر الأعداد .. ومع الوقت بدأ يجرى عليها بعض العمليات
البسيطة كالجمع والطرح والضرب والقسمة ، لقد تعلم مبادىء الحساب من الطبيعة .
إن أصل الرياضيات كلها كان الحساب ، ومن الحساب وُلد الجبر .. ثم أخذت تتطور الرياضيات بسرعة ، ومعها تطور إدراك الإنسان ، ونشأت فيها فروع عديدة ومتشعبة ، وكما رأينا فى قوانين كبلر الرائعة ..
كانت الكواكب تمضى على أسس رياضية متينة لا يأتيها
الباطل أبدا . وأدرك الإنسان مفهوم العدد من الطبيعة عندما بدأ يعدّ السنين ، ورآى
منازل القمر فى السماء وهى تعيد نفسها ..
إن الأمر
كله يتلخص فى الحركة الموزونة المحسوبة للأرض والقمر حول الشمس ، التى منها نشأ
الليل والنهار والشهر والسنة ، فأدرك الإنسان الأعداد والأرقام ، ومن ثم وضع
مبادىء الرياضيات وطورها ثم استطاع أن
يكشف اللثام عن هذه الحركة الموزونة ووجدها تتبع أسس الرياضيات نفسها !! ولذلك
أصلا استطاع أن يعبر عن تلك الحركة ويفهمها .
وكأنَ الكون
يُفَصّل نفسه أمام الإنسان ، ليدرك الإنسان مدى الحكمة التى ينطوى عليها فى داخله
، ويستكشف قوانينه الرياضية والفيزيائية الدقيقة .. ثم يكون قادر على بناء حضارة
مزدهرة التى تستمد قوتها من العلوم الكونية المنضبطة . ولكن هنا سؤال يطرح نفسه
بقوة .. ما الذى يجعل الكون أساسا يُفصل نفسه هكذا ؟؟!! إن الكون فى النهاية مادة
، لا تملك إرادة أو وعى بذاتها او بمن حولها !! حتى يسلك سلوكا مقصودا لذاته !!
الإجابة
موجودة هناك ، فى كتاب كريم ، نزل من صانع الكون على نبىٍ أمىٍ عربى ، إجابة واضحة
وضوح الشمس فى الصباح ، قال تعالى : (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ
السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ
يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) )) يونس.
تلك هى الحكمة التى تسرى فى الكون ، فى ضوء الشمس ونور
القمر ومنازله ، حكمة مطلقة ، وتحيط بالإنسان إحاطة تامة ، وتأخذ بيده ليتعلم
أعداد السنين والحساب ، ثم يتطور ويطور فهمه ، حيث يتم تفصيل القوانين الكونية
أمامه وبعقله ، لأن الله يُفصل الآيات لقوم يعلمون .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق